محمد جمال الدين القاسمي

181

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

قال التوربشتي : الحلم عند العرب يستعمل استعمال الرؤيا ، والتفريق من الاصطلاحات التي سنها الشارع للفصل بين الحق والباطل ، كأنه كره أن يسمى ما كان من اللّه ، وما كان من الشيطان باسم واحد ، فجعل الرؤيا عبارة عن الصالح منها ، لما في الرؤيا من الدلالة على المشاهدة بالبصر أو البصيرة ، وجعل الحلم عبارة عما كان من الشيطان ، لأن أصل الكلمة لم يستعمل إلا فيما يخيل للحالم في منامه من قضاء الشهوة ، مما لا حقيقة له . انتهى . والمراد بالجمع في ( الأحلام ) ما فوق الواحد ، لأنهما حلمان ، رأى كل واحد منهما إثر استيقاظه منه ، كما روي ، وفهم بعضهم أنه حلم واحد ، فالتمس للجمع نكتة فقال : إما المبالغة في وصفه بالبطلان ، أو تضمنه أشياء مختلفة . ولا حاجة إليه ، كما بينا . وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ يحتمل أن يريدوا ب ( الأحلام ) المنامات الباطلة خاصة . أي : ليس لها تأويل عندنا ، وإنما التأويل للرؤيا الصادقة . وأن يعترفوا بقصور علمهم ، وأنهم ليسوا في التعبير بنحارير . قال الناصر : وهذا هو الظاهر . وحمل الكلام على الأول يصيّره من وادي : على لا حب لا يهتدى بمناره كأنهم قالوا : ولا تأويل للأحلام الباطلة ، فنكون به عالمين . وقول الملك لهم أولا : إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ دليل على أنهم لم يكونوا في علمه عالمين بها ، لأنه أتى بكلمة الشك ، وجاء اعترافهم بالقصور مطابقا لشك الملك الذي أخرجه مخرج استفهام عن كونهم عالمين بالرؤيا أو لا ، وقول الفتى : أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ إلى قوله : لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ دليل أيضا على ذلك - واللّه أعلم - . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 45 ] وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ ( 45 ) وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما أي من صاحبي السجن ، وهو الساقي : وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أي تذكر بعد مدة . وكان تذكره ، على ما روي ، بعد سنتين أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ أي أخبركم به بالتلقي عمن عنده علمه ، لا من تلقاء نفسي ، ولذلك لم يقل : أنا أفتيكم فيها ، وعقبه بقوله فَأَرْسِلُونِ أي فابعثوني إلى يوسف ، وإنما لم